لم يخترع الرواقيون هذا الناموس ، فقيمته أنه أزلي لا يتغير ، بل اكتشفوا وجوده من خلال ادراكهم انسانية الانسان في مداها الكوني، والناموس الطبيعي هو القانون الذي يسير الكون ، وبالتالي الإنسان ، وهو المنظم الأكبر للوجود ، والمصدر الأساسي لنظام الحياة الإنسانية، فالناموس الطبيعي أذا ً ، واقع مستقل عن الارادة الإنسانية ، وهو سنة أخلاقية ، مفتاح ادراكها العقل ، أما فعل الأرادة فيقتصر على اخضاع الإنسان الفرد ذاته للناموس الطبيعي ، المستقل عن ارادته وشخصيته، وقد استخرج الرواقيون من الناموس الطبيعي مثلا ً عليا يتحتم على الإنسان اتبعاعها أذا شاء أن يحقق انسانيته .
وهنا وقفت الفلسفة الرواقية امام مشكلة هي مشكلة الحرية التي بوسعنا طرحها كما يلي :
أذا كان الناموس الطبيعي واقعاً موجوداً يسير الكون بمعزل عن ارادة الانسان ، وعن عقله ، فكيف تكون للإنسان حرية أذا لم يكن في وسع ارادته الانتقاض على الناموس ؟
أما اذا لم يكن الناموس الطبيعي بالواقع المستقل عن ارداة الانسان بل مجرد مثال أعلى ، وحسب ، فلماذا خصت هذه المثالية به وحده ، واتفق جميع البشر على اعتباره كذلك دون سواه ؟
وتبدو القضية صعبة الحل لأول وهلة ، ألا أن اهمية هذا المأزق تقل أذا اعتبرنا الغاية التي أدت إلىل اكتشاف الرواقيين للناموس الطبيعي ، فقد كانت بعض المدارس تؤمن بالاوتارقية ( autarcia ) وهي اكتفاء الفرد بنفسه واستغنائه عن الآخرين مما يؤدي إلى موقف اللامبالاة ، الذي حاربته الرواقية ، وكان موقفها موقف اهتمام شديد بالانسان في ذاته ، ومن خلاله بالانسانية كلها ، وهذا الاهتمام هو الذي وجه الرواقيين إلى اكتشاف الناموس الطبيعي ، فخلصوا إلى اعتبار الطاعة أم الفضائل ، والتمرد على القانون ومخالفته عين الأثم والشر والخطيئة، وأذا فهمت الحرية بمعنى التمرد والمخالفة كانت شرا ً وخطيئة ، أما أذا اعتبرت بمعناها الأوسع والابعد ، كطاعة ما يؤول إلى الخير، كانت فضيلة كبرى .
وهكذا قادت نظرية الناموس الطبيعي إلى مايسمى " القانونية " legalisme " في الفكر السياسي والمناقب السياسية ، مما يؤدي إلى جعل الفضيلة والأخلاق مسألة خضوع لقانون مدون وحسب ، وقد أصبح هذا المبدأ فيما بعد ، خير ممهد للأنظمة الأستبدادية ، وخير سلاح تستعمله في ابانة حقها على الصعيد الفكري .
والجدير بالذكر أن أعتقاد الرواقيين كان راسخاً في أن مفهوم الناموس الطبيعي ، نهو فوق الأعتبارات المدنية ، والفروقات القومية ، التي ليست سوى وليدة اسباب عارضة ، لا تعبر عن جوهر الطبيعة الإنسانية ، الممثلة في العقل ، وهو العنصر الذي لا يختلف باختلاف الأمم والشعوب .
#ملاحظة : دون هذه الملاحظات وأعدها أحد طلبة الأكاديمية اللبنانية الذين أستمعوا إلى درس الأستاذ غسان تويني في الفطر السياسي عام 1950 - 1951 .
المصدر: نسخة من كتاب الفكر السياسي ، للراحل غسان تويني ، تاريخ الطبعة 1958، من مكتبة مدير الراصد السوري .

تعليقات
إرسال تعليق